إفتتاحية العدد

كلمة التحرير

يجد العالم والباحث المسلم نفسه محاصراً بظروف ومحاطاً بتحديات يفرضها الواقع بتعقيداته المختلفة ولعل من هذه التحديات ضغوط الخارج التي تفرضها نواتج العلوم الغربية ؛ ومنازعات الداخل المتمثلة في الأصوات الداعية إلى تحقيق الاستقلال المنهجي و الشروع في تأسيس منهجية إسلامية في التفكير أساسها استقلالية الإسلام كرؤية حضارية ذات سمات خاصة ومميزة له عن الخيار الحضاري الذي ينتظم الواقع الإنساني الماثل .

ويضاف إلى ذلك ما يفرضه واقع الأمة الإسلامية من تحديات استئناف النهوض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المرتبطة بدورها بقضايا تجديد الفكر وتفعيل الاجتهاد .ومن ثم فإن قضايا العلم والمنهج ما تنفك تثور في واقعنا طارحة جملة من الاستفهامات ومتزامنة في ذات الوقت مع تعقد مستمر  لإشكالات الواقع الإسلامي  و وتواتر مؤلم لحوادثه اليومية ، وبتعاضد هذه العوامل مجتمعة يتأكد أن واقع الصراع القائم بين النظام العالمي المتحكم والمحيط بنا ، والأمة الإسلامية المستضعفة والتي ننتمي إليها هي قضية منهجية في الأساس يولدها اختلاف عميق في الرؤى والمنطلقات بين عقليتين متباينتين في مرجعياتهما وطرائق تفكيرهما ، لتصبح بذلك أكثر ارتباطاً بأصول التفكير والعقائد المعرفية من ارتباطها بمبررات الواقع الفعلي للأحداث .

القارئ الكريم :

إنّ نظرة عابرة لما عاشته أمتنا من أحداث في الأيام المنصرمة كفيلة بالتدليل على ما ذكرنا ، فعلى المدى الزمني الفاصل بين هذا العدد والذي سبقه شهد العالم جملة من الأحداث والتغيرات التي كان عالمنا الإسلامي مسرحاً للأكثر درامية منها ، ولئن كان ذلك النوع من الأحداث الدامية الذي اعتادته عواصمنا العربية والإسلامية لم يعد مع استمراريته وتواليه يثير في الجسد الإسلامي أي نوع من ردود الأفعال – فإن في طيات هذا التواتر المؤلم من الأحداث ما يستوقف النظر ويسترعي الانتباه إما لمفارقته للمألوف أو لفداحة النتائج المترتبة عليه أو للاستجابة السلبية التي أصبحت سمة لازمة للموقف الإسلامي على الدوام .

ولعل أكثر تلك الأحداث غرابة نبرة العداء الصريح الموجه إلى الإسلام في رموزه المختلفة ويأتي من جملتها تلك التصريحات المثيرة لبابا الفاتيكان الجديد “بيندكيت السادس عشر” ، ومع ما وصفت به تلك الادعاءات من تهافت إلا أن ما خلفته من ردود أفعال وما أثارته من تساؤلات قد أدخل المقابلة التاريخية القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي في أجواء كان الظن أن التاريخ قد تجاوزها إلى غير رجعة .

ويمثّل حديث البابا – الذي يأتي متماشياً مع نبرة العداء التي تطلقها الأصولية المسيحية المتصاعدة في الديموقراطيات الغربية – إيذاناً بنهاية حقبة من العمل الإنساني المشترك بين أتباع الديانتين ؛ خاصة فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية الدولية وبعض مقررات العولمة ، كما أن تلك التصريحات قد جاءت إعلاناً لنهاية دبلوماسية الوفاق الظاهري التي مثلها البابا السابق يوحنا بولس الثاني كامتداد لقرارات الكنيسة في منتصف الستينيات والقاضية باعتبار المسلمين فرقة ناجية تستحق الخلاص وفق اللاهوت المسيحي .

ويبدو مع حديث البابا الجديد وكأن الداء الذي رمى به قادة الكنيسة السابقين وبعض المستشرقين من فلاسفة الغرب الإسلام يعود ليتقمص المسيحية الغربية الجديدة ، ففي الوقت الذي يتسامى فيه المسلمون على مرارات الحروب الصليبية ويتناسون ما أصاب مجتمعاتهم وبُناهم الحضارية من تخريب جراء الحقب الاستعمارية التي اجتاحت بلادهم خلال القرنين الماضيين ويتغاضون بصبر عن عظيم المرارات والإساءات المعلنة والمبطنة لدينهم وكتابهم ونبيهم لا تستحي المسيحية “الأمريكية الأوروبية” من الحديث عن حروب صليبية ومواجهات قدرية مع الأصولية الإسلامية ، وتسهم الكنيسة بفعالية في إذكاء إرادة الحرب وحفزها وتغذيتها بالمبررات الدينية والتاريخية .                                                                                

 لقد جاءت تصريحات البابا حول الإسلام مفاجئة حتى لبعض المسيحيين فالحديث عن عنف الإسلام ولا عقلانيته ما عاد يناسب الفكر الإنساني المعاصر بمستوييه الديني والعلماني ، وإذا كانت تلك التصريحات تسفر عن شيء فإنما تسفر عن تراجعات في الفكر المسيحي تتناسب والتراجعات السياسية والحضارية التي انتهى إليها النظام الدولي في عهد الهيمنة الأمريكية والذي ارتد من مرحلة حفظ الأمن والسلام الدوليين إلى مستوى إدارة الحرب الدينية الدولية لصالح الرؤية الاستراتيجية الأمريكية.

إن الإرادة العليا للنظام الجاثم على صدر العالم قد قررت التعامل مع الإسلام كخيار حضاري مغاير في رؤيته وفي اتجاهاته نحو الواقع الإنساني لرؤيتها؛ وهو ما عبر عنه مارك توين بقوله:” خلال الخمسين  عاماً الماضية  انهارت كل الثقافات أمام هذه القوة “العولمة والأمركة” باستثناء الثقافات التي تضرب بجذورها  في العالم العربي الإسلامي” ومع وعي تلك الإرادة بمثل هذه الحقيقة فإن الآمال المعقودة على المجتمع الدولي ونظامه العالمي لمعالجة أوضاع عالمنا الإسلامي والارتقاء بمجتمعاته لن تعدو كونها أحلاماً لا أمل في تحقيقها ؛ وبالتالي فلا خيار أمام هذه المجتمعات سوى أن تعيد ثقتها بنفسها ومقدراتها الحضارية وأن تشرع في استئناف مشروع مستقبلي جديد ومغاير ؛ جديد لأن حركات الإصلاح الإسلامي التاريخي والحديث منها قد استنفدت أغراضها وفقدت مبرراتها وتمت محاصرتها على نحو أصبح انتظار أي إصلاح يأتي من قبلها نوعاً من التكليف لها بما لا تطيق ، ومغاير لأن مشروعات التحديث المطروحة على المستوى الدولي تقوم في أ

ساسها على التمركز الغربي وتسعى بأهدافها لإدماج مجتمعات التخوم ضمن رؤيتها الذاتية دون أي اعتبار للخصوصيات الثقافية أو الهويات الحضارية لتلك المجتمعات .

إن المشروع المستقبلي المأمول هو مشروع للإصلاح الشامل الذي يتأسس على الإصلاح المنهجي ويسعى من بعد لإصلاح البنى الهيكلية للمجتمعات الإسلامية ، لينتهي من بعد ذلك إلى الإسهام مع المجتمعات الأخرى لتحقيق الإصلاح على مستوى أشمل يهدف إلى خلق حياة إنسانية أفضل وإيجاد مجتمع إنساني أكثر تجانساً وأقدر على التعايش ، ولا يتأتى ذلك إلا بتفعيل الساحات العلمية وتقويم التجارب الفكرية .

فعلى المستوى المحلي – وبين يدي صدور هذا العدد – شهدت الخرطوم عدداً من الفعاليات العلمية لعل من أهمها الندوة الدولية لأعمال المفكر السوداني الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد والتي جاءت بعد ثلاث سنوات من وفاته . وقد أكدت مقررات الندوة أن ما خلفه الأستاذ الراحل من كتابات في الفكر والمعرفة والمنهج وما عالجته أعماله من موضوعات في السياسة والتنظير الاستراتيجي وفي الابستمولوجيا الإسلامية وفي الشريعة وفلسفة الدين قد اتسمت بأسلوب متميز ومنهج غير مألوف ؛ مما وفر مساحة أوسع لقراءتها من منظورات ورؤى مختلفة.

وقد عالجت أوراق الندوة بعمق وروية تجربة حاج حمد عبر ثلاثة محاور شمل الأول منها التجربة الشخصية والسيرة الذاتية لمحمد أبو القاسم حاج حمد ، بينما عالج المحور الثاني  كتابات حاج حمد السياسية والاستراتيجية حول “السودان، القرن الإفريقي، العالم العربي” ، أما المحور الثالث للندوة فقد غطى أطروحاته في ابستمولوجية المعرفة الكونية والمنهجية الإسلامية. وقد شارك في الندوة لفيف من العلماء والمفكرين من داخل وخارج السودان . ونأمل أن تتاح لنا الفرصة في أعدادنا القادمة لعرض تقرير مفصل عن فعاليات تلك الندوة ونشر بعض أوراقها.

ومن  المؤسسات التي كان لها وافر الفضل في نشر تراثه العلمي والتعريف به وبمشروعه الفكري عبر نشر مجموعة من كتبه  “مركز دراسات فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد” والذي جاء البريد يحمل إلينا خبر إصابة مقره إثر التفجيرات التي اجتاحت شارع المتنبي “أحد المعالم الثقافية الهامة في العاصمة العراقية بغداد” ، إلا أن تحطم مقر المركز واحتراق خزانته بشكل كامل لم يمنع القائمين على أمره من إخراج واحد من أجود وأغنى أعداد مجلتهم “قضايا إسلامية معاصرة” ؛ فالتحية لكل للقائمين على أمر هذا المركز وبشكل أخص لمديره الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي يذكرنا إصراره على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها بلاد الرافدين بحديث أنس : ” إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم إلا أن يغرسها فليغرسها ” رواه البخاري.

القارئ الكريم :

يجئ هذا العدد من مجلة تفكر محتوياً على عدد من الملفات التي تحوي جملة من البحوث والدراسات الهامة في مجال علوم الوحي والتراث المعرفي الإسلامي ودراسات الظاهرة الاجتماعية ؛ إذ يبدأ ملف علوم الوحي بدارسة الدكتور محمد بهاء الدين حسين “مراحل ترجمة القرآن الكريم في الشرق والغرب” والتي تلقي نظرة عامة على مراحل تطور ترجمة القرآن الكريم للغات الغربية والشرقية ؛ مع التركيز على  دراسة الأسباب التي أوقعت المترجمين في أخطاء الترجمة ، وقد ساقت الدراسة جملة من الشواهد على تلك الأخطاء  في الترجمات المختلفة للقرآن .

وفي الملف ذاته يتناول الدكتور إبراهيم محمد شريف موضوع “أساليب الاتصال غير اللفظي في السنة النبوية المطهرة ” حيث يعمد – من خلال مدخل تربوي – إلى كشف أساليب الاتصال غير اللفظي التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته وتربيته لمجتمع المسلمين ، وقد حاول الباحث تحديد وتصنيف تلك الأساليب التي استخدمها الرسول (r) أثناء دعوته وتندرج تحت مفهوم الاتصال غير اللفظي على نحو لا يخلو من الجدة  معتمداً في دراسته تلك على ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم من أحاديث .

أما ملف التراث الإسلامي الذي يحوي اثنين من بحوث هذا العدد فقد بدأه كل من د. أحمد المجتبى بانقا و د. إسماعيل عبد الله بدراستهما “مناهج المحدثين في نقد متون السنة في عصر الرواية ” والتي تتبعت مناهج نقد المتن في عصر الصحابة والتي استندت في أساسها – كما يرى الباحثان – على ما يُفْهِم من ظاهره مخالفة للقرآن الكريم أو للثابت من نصوص الحديث، أو مخالفة للعقل. ويرى الباحثان أنّ ظهور الفرق الإسلامية السياسية والفكرية قد ساعد بشكل واسع في تطور منهجية النقد في الحديث النبوي الشريف ومهد لظهور أمهات الكتب التي عرفت فيما بعد بكتب الرواية.

وفي الملف ذاته يقدم  الدكتور نعمان جغيم دراسة تحليلية  تقويمية حول “تطور علم أصول الفقه “رصد من خلالها الملامح العامة لتطور التأليف في علم أصول الفقه، منذ بداية التدوين فيه على يد الإمام الشافعي إلى أن وصل إلى مرحلة النضج في القرن الخامس الهجري. هادفاً لإبراز تفاعل التأليف في أصول الفقه مع تطورات الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية للمجتمع .

وفي ملف الظاهرة الاجتماعية تناول  الدكتور أبو بكر محمد أحمد موضوع “أهمية البعد المعرفي في تحليل وتصميم المناهج الدراسية ” والتي سعى فيها لمناقشة الأساس النظري الذي تتأسس عليه المناقشات المعاصرة للعلاقة بين المنهج والجامعة والمجتمع، محاولاً إظهار التحيزات المعرفية في عملية تنظيم المناهج الدراسية حول قضايا اجتماعية أساسية يتداخل فيها الديني بالثقافي والأيديولوجي بالاجتماعي. متخذاً من مناهج دراسات المرأة حقلاً للتطبيق.

أما في ملف المراجعات فيقدم  الأستاذ قاسم عمر أبو الخير قراءة في كتاب الدكتور سعيد إسماعيل علي “أصول التربية الإسلامية” .                                

أما ملف فلسفة العلوم في القسم الإنجليزي فيحوي دراسة الدكتور جمال أحمد بادي حول “التفكير الإبداعي بين مسلمي اليوم “.وقد استهدف البحث استكشاف الحدود والعوائق الخارجية التي تعيق التفكير الإبداعي لدى مسلمي اليوم حيث قام بتحليل شامل لعوامل البيئة والتعليم والحواجز الفكرية كما قام بمناقشة الطرق والوسائل والاستراتيجيات اللازمة لتجاوز هذه العوائق .

هذا وبالله التوفيق